الدبلوماسية في أنقرة يمكن أن تكون بديلاً للحرب بينما التوتر الإيراني الأمريكي في ذروته
تتبوأ المقابلة التي سيعقدها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في أنقرة في 30 يناير/كانون الثاني مكانة بارزة كخطوة دبلوماسية حاسمة ستُناقش فيها أبرز العناوين الحساسة للصراع الإقليمي والعالمي على النفوذ. تجري هذه المقابلة في فترة تشهد تصعيداً جديداً للتوتر على الخط الأمريكي الإيراني، حيث تعزز واشنطن انتشارها العسكري ضد طهران وتحوله مرة أخرى إلى أداة ضغط لإملاء شروطها على إيران.
– اقتراح الرئيس أردوغان لعقد لقاء ثلاثي مع بزشكيان وترامب
العنصر الأساسي الذي يعزز أهمية هذا الاتصال هو أن الرئيس رجب طيب أردوغان أدرج اقتراحاً لعقد قمة ثلاثية تضم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب و الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. تهدف أنقرة من خلال هذا الاقتراح ليس فقط إلى تعزيز دورها الوسيط، بل أيضاً إلى منع حرب إقليمية وربما عالمية غير مُحكمَة قد تنشأ في حال تفعيل الخيارات العسكرية، وذلك قبل أن تبدأ حتى. يشير نهج تركيا إلى وجود إرادة سياسية واضحة بأنه يجب إدارة التوتر بين إيران والولايات المتحدة بالوسائل الدبلوماسية وليس العسكرية.
على الرغم من أن طلبات ترامب السابقة لعقد اجتماعات مباشرة مع القادة الإيرانيين قوبلت بالرفض من طهران، إلا أن خطورة الوضع في إيران والنداءات الصادرة من بعض الأوساط داخل البلاد لبزشكيان بقبول طلب للقاء ترامب، قد تجمع هذه المرة بين القادة الإيرانيين والأمريكيين عبر وساطة تركيا، حتى لو كان ذلك عبر مؤتمر عبر الفيديو.
– الموقف الواضح لتركيا ضد التدخل العسكري في إيران
سَيُؤكَّد في لقاء الوزير هاكان فيدان مع عراقجي على أن العلاقات التركية الإيرانية تلعب دوراً محورياً فيما يتعلق بالأمن والاستقرار والازدهار الإقليميين. فيما تعارض أنقرة علناً أي تدخلات عسكرية محتملة ضد إيران، فقد حذرت بشكل متكرر خلال هذه العملية من أن مثل هذه الخطوة سيكون لها عواقب مزعزعة للاستقرار لا على إيران فحسب، بل على الشرق الأوسط بأكمله وحتى الأمن العالمي. كما تظهر تركيا بوضوح أنها مستعدة للمساهمة بنشاط في تخفيض حدة التوتر المتصاعد من خلال الحوار. في هذا الإطار، يُؤكَّد بشكل خاص على متابعة التطورات الأخيرة في إيران عن كثب، وأن أمن إيران وسلامتها واستقرارها يكتسيان أهمية حيوية لتركيا. علاقة على ذلك، ستكون رسالة مفادها أن تحييد تنظيم حزب العمال الكردستاني (PKK) الإرهابي وفرعه الإيراني حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) بالكامل يمثل حاجة ملحة ليس فقط لتركيا بل وللأمن الوطني الإيراني أيضاً، موضوعة على الطاولة.

– ترامب يحاول، من خلال التكديس العسكري والتهديدات عالية النبرة، إجبار إيران على قبول مطالب الولايات المتحدة
على الجبهة الأمريكية، يُفسَّر التكديس العسكري الذي يقوم به ترامب في المنطقة وتهديداته عالية النبرة ليس على أنه استعداد للحرب المباشرة، بل على أنه دبلوماسية ضغط تهدف إلى إجبار إيران على قبول مطالب واشنطن. تُستخدم القوة العسكرية هنا كأداة أكثر منها كهدف. الهدف هو إجبار طهران على تقديم تنازلات، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي وبرنامج الصواريخ، لكن إيران قد رسمت خطوطها الحمراء بوضوح في هذا الشأن.
بينما أعلنت طهران مراراً وتكراراً عن انفتاحها على المفاوضات بشأن الملف النووي، بل وقد تقبل حتى اقتراح تخفيض مستوى تخصيب اليورانيوم إلى الصفر الذي لم تقبله سابقاً في هذه العملية، فإنها تؤكد بشكل متكرر أن برنامجها الصاروخي لن يُدرج على طاولة المفاوضات تحت أي ظرف من الظروف. تطالب الإدارة الأمريكية بتقييد مدى الصواريخ الإيرانية إلى 300-500 كيلومتر بحيث لا تشكل تهديداً لإسرائيل. يبدو من غير المرجح أن توافق إيران، التي يُعد برنامجها الصاروخي أهم أدوات الردع لديها، على تقييده.
هذه المواضيع غير النووية تُرى من وجهة نظر طهران ليس كمجالات سياسية قابلة للتفاوض، بل كخطوط حمراء تتعلق مباشرة ببقاء الدولة. لذلك، عندما تُستخدم التحركات العسكرية لترامب وخطابه الحاد لإجبار إيران على تقديم تنازلات شاملة، فإن هذه الاستراتيجية تستدعي رد فعل مقاومة أشد صلابة في إيران، بدلاً من دفعها نحو التسوية.
– احتمال أن تكون الحرب ضد إيران قابلة للتحكم وقصيرة الأمد ومنخفضة التكلفة ضعيف للغاية
لذلك، إذا حصرت إدارة ترامب الضغط في الملف النووي فقط وحولت التهديد العسكري من عنصر إكراه إلى رافعة دبلوماسية، فقد يتشكل أرضية لاتفاق محكوم. وإلا، فإن توسيع المطالب ووضع مواضيع الأمن على الطاولة سيؤدي إلى تحويل إيران القضية بالكامل إلى مسألة بقاء، وإلى ارتفاع مخاطر الصراع الإقليمي بسرعة.
من منظور إيراني، هذا الملف ليس قضية تقنية أو تكتيكية؛ بل يُنظر إليه على أنه مسألة أمنية مرتبطة مباشرة ببقاء الدولة. لذلك، تظهر الإدارة الإيرانية بوضوح أن لديها القدرة والإرادة على تقديم رد شامل وليس محدوداً في وجه أي هجوم عسكري محتمل. الرأي السائد في طهران هو أن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل تكلفة مثل هذا الصراع وعواقبه الإقليمية.
وذلك لأن احتمال أن تكون الحرب التي قد تبدأ ضد إيران قابلة للتحكم وقصيرة الأمد ومنخفضة التكلفة ضعيف للغاية. الحقائق الأساسية التي يجب على الولايات المتحدة أخذها في الاعتبار إذا فكرت بجدية في التدخل العسكري ضد إيران تدعم أيضاً هذه الصورة. تمكنت الإدارة الإيرانية من قمع الموجات الاحتجاجية الأخيرة، ولا يوجد معارضة جماعية ذات معنى في الساحة تهدد النظام. كما لا يوجد هيكل معارضة منظم وشرعي مستعد لتولي الحكم. على الرغم من أن المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي يقع في مركز النظام، إلا أن النظام الإيراني لا يرتبط بالأفراد وله هيكل مؤسسي مرن. حتى لو تم الاغتيال المستهدف لخامنئي، فإن ذلك لن يؤدي إلى انهيار النظام، بل سينقل الصراع إلى ساحة أكثر تطرفاً، ويصلب الخطاب الديني، ويزيد من ثقل فيلق الحرس الثوري الإسلامي داخل النظام.
من ناحية أخرى، تعمل المؤسسات الأمنية الإيرانية في حالة تأهب عالٍ. احتمال المفاجأة الاستراتيجية محدود للغاية، وطهران مصممة على عدم تكرار الثغرات الأمنية السابقة. لكن تغيير النظام لا يبدو هدفاً يمكن تحقيقه بعملية عسكرية لمرة واحدة، بل هو عملية طويلة ومعقدة وخطيرة للغاية. محاولة القيام بمثل هذه المغامرة دون خطة واضحة حول من سيدير الحكم بعد ذلك ستعني مقامرة استراتيجية خطيرة لواشنطن. ويبدو أيضاً من تصريحات ترامب السابقة أنه يتجنب تحمل مخاطر حرب طويلة الأمد.

– لا يوجد سيناريو “الضربة الحاسمة” أو “الخروج النظيف” الذي يريده ترامب في إيران
من ناحية أخرى، أظهرت المؤسسات الأمنية الإيرانية أيضاً من خلال التنسيق الذي أبدته خلال الاضطرابات الداخلية في الاحتجاجات التي تحولت إلى عنف، أنها منغلقة ضد الانقسام. وهذا يظهر أيضاً أنه لا يوجد احتمال لتغيير النظام في إيران في المدى المنظور.
علاوة على ذلك، فإن الضغط الشديد والمستمر يحمل مخاطر دفع صانعي القرار في طهران نحو خطوات أكثر تطرفاً ولا يمكن التنبؤ بها. بدء الحرب مع إيران أسهل بكثير من إنهائها. السجل التاريخي للضربات الجوية في تحقيق تغيير النظام ضعيف للغاية، ولا يوجد تقريباً أي سيناريو للـ “ضربة الحاسمة” أو الخروج النظيف الذي يريده ترامب. بل أكثر من ذلك، قد يؤدي التدخل العسكري الخارجي، بدلاً من إضعاف النظام، إلى تعزيز النظام على المدى القصير والمتوسط من خلال تعزيز التماسك المجتمعي حول خطاب الدفاع الوطني.
– يهدف ترامب إلى عقد صفقة سريعة مع إيران وعرضها على الجمهور على أنها “مكسب”
دونالد ترامب ليس في الواقع زعيماً يريد تغيير النظام في إيران. هدفه الرئيسي هو عقد صفقة سريعة وواضحة من منظوره تفرض شروطه على إيران وعرضها على الجمهور على أنها “مكسب”. كما أن ترامب لا يحب العمليات الطويلة وعدم اليقين والشعور بأنه يُسْتَهَانُ به.
هذا الوضع يجعل العملية صعبة على إيران. لكي يكون الاتفاق ممكناً، تحتاج طهران إلى اتخاذ خطوات سريعة وواضحة وملموسة، لكن أسلوب إيران الحذر في اتخاذ القرارات والدبلوماسية لا يتوافق بسهولة مع نهج ترامب المرتكز على النتائج. ومع ذلك، فإن الدبلوماسية الجارية في تركيا، إذا ظلت قنوات الاتصال المباشر والوساطة مفتوحة، تُعتبر واحدة من الأرضيات النادرة التي يمكن أن تمكن الطرفين من الوصول إلى حل وسط محدود لكن ملموس.
لهذا السبب بالضبط، فإن زيارة عراقجي لأنقرة ليست مجرد اتصال دبلوماسي، بل تحمل تأكيداً قوياً على أن الدبلوماسية لا تزال على الطاولة في مواجهة احتمال الحرب. يبرز الدور الذي تلعبه تركيا في هذه العملية كانعكاس ملموس لنهج إدارة الأزمات الإقليمية بالحكمة السياسية وليس بالوسائل العسكرية.




