مشهد إعادة توزیع النفوذ الإقلیمی لصالح الریاض وأنقرة بعد ضربة ماحقة لطهران
كان الهجوم الإسرائيلي الأخير على عاصمة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في 23 خرداد 1405 (الموافق 12 يونيو 2024)، من حيث النطاق والأهداف العسكرية، أوسع من أي وقت مضى. قبل عام، ردا على اغتيال قائد إيراني رفيع في سوريا والهجوم العسكري المباشر الذي شنته إسرائيل ضد إيران في فروردين 1403 (مارس 2024)، نفذت الجمهورية الإسلامية عمليتي «الوعد الصادق 1 و 2»، حيث استهدفت لأول مرة بشكل رسمي ومباشر أهدافًا داخل الأراضي الإسرائيلية عبر إطلاق صواريخ من الأراضي الإيرانية.
هذا المسار، الذي تحول تدريجياً من «الحرب بالوكالة» إلى «المواجهة المباشرة»، دخل الآن مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط، بعد أن تجاوزت إسرائيل الخط الأحمر بمهاجمتها عاصمة دولة تمتلك قدرات عسكرية مستقلة.

في حين تركّزت معظم التحليلات بشكل رئيسي على طبيعة الرد الإيراني أو التبعات المحتملة لهذا التصعيد في علاقات طهران وواشنطن، فإن هناك استراتيجية على المستوى الإقليمي لم تحظَ بالاهتمام الكافي: هل يمكن لهذا الظرف الحرج أن يُهيئ لخصميْ إيران الإقليمييْن (المملكة العربية السعودية وتركيا) أرضيةً لتعزيز دورهما الجيوسياسي وزيادة نفوذهما الإقليمي؟
شهد الشرق الأوسط حتى ما قبل خرداد 1405 (مايو/يونيو 2024) نظامًا ثلاثي الأقطاب غير رسمي توزع بين إيران في موقع القوة المتدخلة ضمن محور المقاومة ذات النفوذ الواسع في بلاد الشام واليمن، وعربستان بوصفها الفاعل المحافظ القائم على الأدوات المالية-السياسية، وتركيا في دور القوة البراغماتية النشطة. وقد حافظ هذا الثلاثي – رغم ابتعاده عن الصدام المباشر – على تنافسه الجيوسياسي عبر المنطقة من العراق حتى البحر الأحمر.
إلا أن المشهد الحالي يشهد تحولات جذرية مع تصفية القادة التابعين لإيران في لبنان وفلسطين، وتدهور وضع نظام الأسد، وانسحاب القوات الإيرانية التدريجي من سوريا، وتصاعد الضغوط الداخلية، مما أفقد طهران العديد من أدوات نفوذها الإقليمي التقليدي. وهكذا يبرز فراغ استراتيجي في المنطقة تبدو الرياض وأنقرة مستعدتين لشغله.
تجد المملكة العربية السعودية نفسها اليوم في وضع يسمح لها بإعادة تصميم المبادرات الأمنية في الخليج الفارسي، سواء بشكل منفرد أو متعدد الأطراف. تراجع دور إيران في اليمن، وانحسار وجودها في سوريا، وتقليص أنشطتها بالوكالة في العراق ولبنان، كلها عوامل أوجدت فرصة ذهبية للرياض لترسيخ زعامة أمنية عربية-سُنّية، وذلك دون حاجة إلى تحالفات رسمية أو تطبيع مكلف مع إسرائيل. وفي هذا الإطار، يمكن للسعودية والإمارات أن تحولا هياكل مواجهة النفوذ الإيراني إلى أطر أمنية مستدامة، قد تتخذ شكلاً مؤسسياً في المستقبل غير البعيد.
على الجانب الآخر، تمتلك تركيا – في ظل الغياب الإيراني عن شمال الشام – فرصةً كبيرةً لتعزيز نفوذها في سوريا وشمال العراق وحتى السواحل المتوسطية. وتسعى أنقرة جاهدةً لترسيخ صورتها بوصفها القوة السنية الوحيدة الفاعلة والمستقرة والموازنة في المنطقة، وهي مكانة عززتها من خلال استعراضات القوة الجوية والمواجهات الحدودية فضلاً عن أدوارها المحورية في أزمتي ليبيا والقوقاز. وأصبحت تركيا اليوم قادرةً على تطوير سياستها الأمنية من نهج «الموازنة المحدودة» إلى «إدارة الأزمات الإقليمية»، خاصة مع استمرار الفراغ الهيكلي الناجم عن التراجع الإيراني. وفي خضم هذه التطورات، تتعاظم احتمالات التقارب التكتيكي بين تركيا والسعودية. ورغم جذور الخلاف الإيديولوجي بينهما (كما في الاختلافات بين الوهابية وحركة الإخوان المسلمين) والتنافسات الرمزية المستمرة، إلا أن المصالح المشتركة في إدارة المرحلة التالية للانسحاب الإيراني ستفرض عليهما تعاوناً مرحلياً قائماً على توزيع المهام: حيث تتولى السعودية الدعم المالي والدبلوماسي بينما تقدم تركيا الدعم اللوجستي والأمني.

إلا أن التحقق الكامل لهذا السيناريو يصطدم بعقبات جوهرية، يأتي في مقدمتها الرد المضاد المتوقع من الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر أدوات غير مباشرة وغير متماثلة كالهجمات السيبرانية أو تعطيل الممرات المائية أو إعادة تفعيل الجماعات الإقليمية. كما يُضاف إليها غياب الإجماع الاستراتيجي بين الرياض وأنقرة اللتين تواصلان منافسة غير معلنة حول زعامة العالم السني، إضافةً إلى انعدام الإرادة الفاعلة لدى القوى الكبرى (أمريكا وروسيا والصين) لصياغة أو دعم نظام أمني إقليمي جديد.
شكّل التطور اللاحق للهجوم الإسرائيلي المباشر على عاصمة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في خرداد 1405 (مايو 2024) نقطة تحولٍ محورية في المعادلات الأمنية بالشرق الأوسط. بخلاف المواجهات السابقة التي ظلت محصورةً في إطار الحروب بالوكالة أو العمليات المحدودة، فإن تجاوز خطّ الأحمر المتمثل في ضرب طهران حمل تداعياتٍ نفسيةً وعسكريةً إلى جانب عواقب جيوسياسية عميقة. ويتجلّى أبرز مظاهر هذا التحول في بدء إعادة توزيع الفرص الجيوسياسية بين الفاعلين الإقليميين كالمملكة العربية السعودية وتركيا، الساعيين لملء الفراغ الناجم عن تراجع الدور الإيراني.
في هذا السياق تواجه إيران سيناريو معقداً؛ قد يقود – حال استمرار تآكل موارد القوة الوطنية والإقليمية – إلى اختلال موازين القوى لغير صالحها. لكنّ هذا المسار ليس حتمياً، إذ ينبغي للسّيناريو الاستراتيجي المقترح لطهران أن يرتكز على محاور عدّة تتراوح بين الردع واستعادة النفوذ الإقليمي.
يتعين أولاً – بدلاً من إعادة إنتاج نماذج محور المقاومة التقليدية – إعادة هيكلة أدوات النفوذ الإقليمي الإيراني في صيغة «شبكة لا مركزية مرنة قائمة على التقنية»، مع تحويل الاستثمارات نحو الحرب الإدراكية والحرب السيبرانية وأمن الطاقة والتدخلات النيابية الذكية المحدودة، عوضاً عن الوجود المادي المكلف.
ثانياً، يتعين على طهران توظيف أدوات الدبلوماسية المعلنة والخفية لخلق انقسام تكتيكي بين الرياض وأنقرة، مع التركيز على: تعزيز التعاون الاقتصادي مع تركيا، واستغلال التناقضات الأيديولوجية (الوهابية/الإخوانية)، واستثمار مخاوف الأتراك من التمدد التنافسي السعودي، وهو ما قد يحول دون تشكل كتلة إقليمية متراصة ضد المصالح الإيرانية.

أخيراً، يستحيل استعادة النفوذ الإقليمي دون تحقيق استقرار اجتماعي واقتصادي وتماسك سياسي داخلي. فقدرة إيران على الردع الاستراتيجي في المنطقة ترتهن في المحصلة النهائية بقدرتها على إدارة شؤونها الداخلية. وعليه، يجب أن يُعدّ تعزيز رأس المال الاجتماعي، وزيادة المرونة الاقتصادية، وتخفيف الاحتكاكات الداخلية، جزءاً أساسياً من العقيدة الأمنية الإقليمية الجديدة للجمهورية الإسلامية.
وعليه، ورغم أن الضربة الأخيرة للمكانة الإقليمية الإيرانية أتاحت فرصاً مؤقتة للمنافسين في المدى القصير، إلا أن تبني إستراتيجية ذكية قد يُحوّل هذا التهديد إلى منصة لإعادة تعريف أدوات النفوذ، وإعادة بناء الردع، وضبط موازين القوى الإقليمية من جديد. فالسّيناريو المقبل لا يُشكّل بالضرورة خسارة لإيران، بل سيتحدد مصيره بطبيعة وتوقيت الرد الاستراتيجي من طهران.




